السعيد شنوقة

147

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

وقد تأوّل الزمخشري الأبصار على أنها المبصرون في هذا المقام كما فعل القاضي عبد الجبار فيما ذكره آنفا . قال الزمخشري : « هو الجوهر اللطيف الذي ركّبه الله في حاسة النظر وبه تدرك المبصرات ، فالمعنى أن الأبصار لا تتعلق به ولا تدركه لأنه متعال أن يكون مبصرا في ذاته لأن الأبصار إنما تتعلق بما كان في جهة أصلا أو تابعا كالأجسام والهيئات : وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ [ الأنعام : 103 ] ، وهو للطف إدراكه للمدركات يدرك تلك الجواهر اللطيفة التي لا يدركها مدرك : وَهُوَ اللَّطِيفُ يلطف عن أن تدركه الأبصار الْخَبِيرُ بكل لطيف يدرك الأبصار ، لا تلطف عن إدراكه وهذا من باب اللف » « 1 » . وقد ساعده ربط آخر الآية بأولها من تجنب ما يثيره تأويل « الأبصار » بالمبصرين فنفي إدراك الأبصار لله عز وجل يؤكد لطفه ، وبأن إثبات إدراكه للأبصار يؤكده كونه خبيرا . وهو حين عدّ الأبصار جواهر لطيفة يدركها الله تعالى إنما يعكس أساسا كلاميا عند المعتزلة ، وعليه يرى الله سبحانه ما تجوز عليه رؤيته . وبهذا تجنب الزمخشري الاعتراض الذي كان من الممكن أن يواجهه به الخصوم « 2 » . ورد المعتزلة على الخصوم حين قالوا : إنه إذا كان يستحيل أن يرى الله تعالى في الدنيا لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [ الأنعام : 103 ] ، فلم لا يجوز رؤيته في الآخرة : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [ القيامة : 22 ، 23 ] ، إذ الوقت الذي قال إنه لا تدركه الأبصار فيه غير الوقت الذي أخبرنا أنها تنظر إليه فيه « 3 » ، وكان ردّهم مبنيا على تعليلين :

--> - لكن الصحابة فسروا قوله تعالى لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ . . . . . . الآية تفسيرين : الأول لا يرى في الدنيا وهو مروي عن أم المؤمنين عائشة نافية أن يكون الرسول - عليه السلام - رأى ربه ليلة المعراج . الثاني : تفسير ابن عباس الآية السابقة : لا تحيط به الأبصار ، فالنفي للإحاطة لا للرؤية ، وهذا عام في الدنيا وفي الآخرة ، ولم ينقل عن أحد من الصحابة من طريق صحيح ولا ضعيف أنه أراد نفي الرؤية في الآخرة . وليس نفي الرؤية [ في الأعراف : 143 ] لَنْ تَرانِي للتأبيد . أما الحديث : « لن يرى الله أحد في الدنيا ولا في الآخرة » فموضوع مكذوب باتفاق أئمة الحديث والسنة . كما أن ( لن ) ليست للتأبيد الذي ذكره الزمخشري . انظر حافظ بن أحمد حكمي ، معارج القبول ، ج 1 ، ص 361 - 362 . ( 1 ) الكشاف ، ج 1 ، ص 41 - 42 . ( 2 ) انظر د . نصر حامد أو زيد ، الاتجاه العقلي في التفسير ، ص 106 . ( 3 ) انظر الأشعري ، كتاب اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع ، ص 65 .